الوصف
يُعد النوع الاجتماعي والتنمية مجال متعدد التخصصات من الأبحاث والدراسات التطبيقية التي تطبق مقاربة نسوية لفهم ومعالجة التأثير المتباين الذي تخلفه التنمية الاقتصادية والعولمة على الأشخاص استنادًا إلى موقعهم، وجنسهم، وخلفيتهم الطبقية، وهوياتهم الاجتماعية والسياسية .
ومن هنا يتجسد الارتباط بين مقاربة النوع الاجتماعي والتنمية؟ وكيف يمكن تفعيل التنمية في علاقتها بالنوع الاجتماعي؟ إن دراسة هذه الارتباطات بين النوع والتنمية من شأنه أن تساعد في توسيع النقاش العلمي حول مقاربة النوع الاجتماعي، وعلاقته بمحددات التنمية في متنوع جهاتها ويساعد على تخطي القصور الذي يلحق برامج واستراتيجيات التنمية.
وتعتمد التنمية وفق مقاربة النوع الاجتماعي على أصل تفكيك البناءات الثقافية وبناء الارتباطات الموجودة على مبدأ التكافؤ بين الجنسين، إن تفكيك الارتباطات القائمة على التمييز والهيمنة الذكورية ليعتبر خطوة أساسية من أجل هدم أسس اللامساواة بين الجنسين في كافة المجالات ووضع أسس جديدة لعلاقات مبنية على تكافؤ كلا الجنسين .
ومع اشراك المرأة في برامج التنمية يتحول مفهوم النوع تدريجياً من أداة للفهم والتحليل إلى أداة لقياس وتقييم مدى نجاح المشاريع التنموية، ومدى تحقيقها ﻷهدافها وتحقيق النفع لجميع الفئات الاجتماعية من الرجال والنساء، أي تقييم ومراقبة مدى تحقيق العدالة الاجتماعية في تقاسم الخيرات المادية.
ولهذا فإن تطبيق مقاربة النوع في السياسات الاجتماعية وفي السياسات التنموية بشكل خاص، من شأنه أن يساهم في الحد من اللامساواة بين الجنسين عن طريق إشراك الرجال والنساء في برامج التنمية بمختلف أبعادها وفي كافة مراحلها، في عمليات التخطيط والتنفيذ والتقويم، وكذلك في اقتسام موارد العيش من أرض وموارد والاستفادة من كل الإمكانات التي تساهم في بناء الاقتصاد.
وبذلك أصبحت التنمية تمتلك معنى أكثر شمولية، وباتت تعني التوازن بين المتطلبات الاقتصادية والمسائل الاجتماعية والاهتمامات البيئية والديناميكية والديموغرافية مع اعتبار الفرد وسيلتها ومبتغاها.
وفي هذا الصدد يعد احترام حقوق كافة أنواع البشر نساء أو رجال، كبار السن أو الشباب، ريفيين أو حضريين، من الأسس المرافقة والمساندة للتنمية، وتصبح التنمية الإنسانية تبعاً لهذا التعين، مقصوداً بسيطاً، لكنه ينطوي على إشارات بعيدة الأثر، ففي المركز الأول، توقر الخيارات الإنسانية حينما يمتلك المواطنين المهارات، وتتاح لهم الفرص لاستخدامها، ولا تساهم التنمية البشرية إلى زيادة القدرات والفرص فقط، ولكنها تساهم أيضاً إلى ضمان الاستقرار والرفاه ومن هنا بدا يتجلى مفهوم النوع الاجتماعي لدى صانعي السياسات في العالم العربي .
ومن هذا المنطلق زاد الاهتمام بدراسات المرأة و سوسيولوجيا النوع الاجتماعي ، الذي يشير إلى مجموعة من الخصائص والسلوكيات التي تشكلت ثقافيا ويتم إضفاؤها على الأناث والذكور، بمعنى انتقال “الجنس “من مجال الطبيعة إلى مجال الثقافة، حيث يتم اعتباره بناء اجتماعيا وموضوعا بحثيا مرتبط بالسياق التاريخي له تداعياته المؤثرة في النظرية الأدبية النسوية جنبا إلى جنب الأفرع المعرفية الأخرى كالتاريخ والفلسفة وعلم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا، وأهمية مفهوم الجندر في فهم البشر لموقعهم داخل منظومة علاقات القوي وأثرها في تشكل هُويتهم وكيف تتغلل دراسات الجندر داخل التخصصات المختلفة .
وفي الوقت الراهن يوجد فهم مشترك داخل الأوساط المعنية بالتنمية بأن السياسات والإجراءات الإنمائية التي لا تأخذ في اعتبارها المساواة بين الجنسين ولا تعالج التفاوتات بين الذكور والأناث ستكون محدودة الفعالية وباهظة التكلفة .
وتختلف احتياجات وأولويات المرأة والرجل في الجوانب المختلفة للتنمية، وتختلف القيود التنموية لكل منهما، كما تختلف الأدوار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ففي بعض الأحيان تكون أدوار النوع الاجتماعي مجرد عادات، وفي احيان أخرى يدعم القانون هذه الأدوار .
يمكن القول ان غالبية المنظمات والوكالات الإنمائية الكبيرة استبدلت منهج المرأة في التنمية بمنهج النوع الاجتماعي والتنمية عن طريق ادماج المرأة في قضايا التنمية. إذ يتم، وفق هذا المنهج ، تضمين الطابع المؤسسي لمفهوم النوع الاجتماعي، وهو أمر ينطوي على اعتبار منظور النوع أمر أساسي لجميع الأنشطة، بما في ذلك التخطيط والتنفيذ ورصد جميع البرامج والمشروعات والتشريعات.
وعلى الرغم من الإنتقادات لهذا المنهج باعتباره مجرد ممارسة دعائية، فإن تعميم هذا المسار لإدماج النوع الاجتماعي يوفر إمكانية وضعهم في صميم عملية التنمية. لأن حقوق المرأة لاسيما الصحية والجسمية والنفسية والإنجابية، لا تزال غير مقبولة عالمياَ.
ومن هذا المنطلق يستعرض هذا الكتاب للقضايا النظرية والتطبيقية للنوع الاجتماعي ، ويتضمن الفصل الأول وهو بعنوان : النوع الاجتماعي والتنمية المستدامة ، عرض مفهوم النوع الاجتماعي ، النظرية النسوية والتفاوت الاجتماعي بين الذكور والإناث ، مقاربة النوع الاجتماعي وتمييزها عن غيرها من المصطلحات ، العوامل المؤثرة في النوع الاجتماعي ، دراسات النوع الاجتماعي المستفبلية . ويتناول الفصل الثاني : دراسات إمبيريقية تجسد قضايا النوع الاجتماعي وتشمل دراسة : ميراث المرأة بين الشريعة الإسلامية والواقع : دراسة سوسيولوجية لعينة ريفية ، ودراسة آليات التكيف بعد أزمة الطلاق دراسة على عينة من المطلقات ، وأخيراَ دراسة تأخر زواج الفتيات بين الموروث الثقافى والواقع: دراسة على عينة من الملتحقات بالدراسات العليا .
ونقدم هذا العمل لأبنائنا من الدارسين في العلم الاجتماعي، ونتمنى أن يحقق لديهم غاياتهم التي ينشدونها من وراء فهم وتحليل قضايا النوع الاجتماعي في الواقع المعاصر .



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.